محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
486
بدائع السلك في طبائع الملك
يا أمير المؤمنين مختفيا بالحيرة في منزل شارع في الصحراء ، فبينما أنا ذات يوم على ظهر بيتي إذ ، نظرت إلى أعلام سود خرجت من الكوفة يردن الحيرة ، فوقع في قلبي أنها تريدني ، فخرجت من الدار متنكرا ، حتى دخلت الكوفة ، ولا أعرف بها أحدا اختفي عنده . فدخلت مرتادا ، فإذا أنا بباب كبير ورحبة واسعة ، فدخلت الرحبة فجلست فيها ، فإذا أنا برجل وسيم حسن الهيئة على فرس فدخل الرحبة ، ومعه جماعة من أصحابه وأتباعه . فقال لي : من أنت وما حاجتك ؟ فقلت : رجل خائف على دمه ، مستجير بمنزلك . قال : فأدخلني منزله ، ثم صيرني في حجرة تلى حرمه ، فمكث عنده حولا في كل ما أريد وأحب من مطعم ومشرب وملبس ، لا يسألني شيئا من حالي ، ويركب كل يوم وليلة . فقلت له يوما : أراك تدمن الركوب ، ففيم ذلك ؟ فقال ان إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا ، وقد بلغني أنه مختف فأنا أطلبه لأدرك ثأري . فكثر تعجبي إذ ساقني القدر إلى الاختفاء في منزل من يطلب دمي ، وكرهت الحياة . فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه ، فأخبرني بهما فعلمت اني قتلت أباه فقلت : يا هذا . قد وجب حقك عليّ ، ومن حقك أن أقرب عليك الخطوة . وقال : ما ذلك ؟ قلت : أنا إبراهيم بن سليمان ، قاتل أبيك ، فخذ بثأرك ، فقال : لعلك رجل مضه الاختفاء . فأحب الموت ؟ قلت : بل الحق ما قلت لك أنا قتلت أباك في يوم كذا ، بسبب كذا . فلما عرف أني صادق ، إلا بدّ وجهه ، واحمرت عيناه ، وأطرق مليا . ثم قال : أما أنت ، فستلقى أبي ، فيأخذ بحقه منك ، وأما أنا ، فغير مخفر ذمتي ، فأخرج عني ، فلست آمن نفسي عليك . وأعطاني ألف دينار ، فلم أقبلها ، وخرجت من عنده ، فهو أكرم رجل رأيت .